|
مراة البلدة العريقة مجداً وفضلاً
حمد الجاسر
كتب
إليَّ الابن حمود بن محمد الضُّويحِي، المشرف على النشاط الثقافي في نادي
كُمَيت في بلدة مراة بتاريخ 6/8/1418ه يرغب مني كتابة ما يضيفه إلى ملف
ثقافي في أي موضوع يتعلق ببلدة مراة أراه مناسباً، وتسعفني الذاكرة
التاريخية فيه فصادف هوىً في نفسي، فوعدته بتحقيق رغبته، ذلك أن أحد الأحبة
هاتفني بعد نشر كلمة لي في جريدة الجزيرة ع 9176 في 12/7/1418ه بعنوان مراة
البلدة العريقة في المجد والفضل يقول: كيف تصفها هذا الوصف والمؤرخون ذكروا
أنها ممن ارتدت؟ ولما استولى خالد على اليمامة بعد قتل مسيلمة ومصالحة
مُجَّاعة بن مُرارة لم تدخل مراة في الصلح، فَسَبَى أهلها وسكنها بنو امرئ
القيس بن زيد مناة فعمروا ماوالاها حتى غلبوا عليها, كذا قال الأخ، فأردتُّ
إيضاح مدلول ماسبق ان جعلته عنواناً لتلك الكلمة,
من المعروف ان القبائل العربية قبل الإسلام
تختلف قُوَّةً وضعفاً، وبسبب اختلافها تتفاوت منازلها، وعلى هذا التفاوت
وما تتميز به من أخلاق فاضلة يتضح تفاضلها,
ولقد كانت قبيلة بني تميم من اكثر القبائل
عدداً، وأوسعها داراً إذ كانت تحل في مساحة واسعة من قلب الجزيرة، تُحَدُّ
غرباً بما يعرف قديماً بوادي التَّسرير وحديثاً باسم وادي الرِّشَاء ثم
تنتشر منازلها في اليمامة في الوشم وفي سُدَير الفَقء وتمتد شرقاً فتشمل
الدهناء والصَّمَّان، وتنتشر فروعها في منطقة الأحساء، ممتدة من رمال
يَبرين جنوبا إلى قرب كاظمة شمال الكويت، باستثناء أمكنة على الساحل الشرقي
وما بقربها، تحلها فروع متحضرة، مستوطنة في المدن، وفي الساحل من بني
عبدالقيس,
ولما جاء الإسلام انقادت هذه القبيلة كغيرها
من القبائل، وبعثت وفدها إلى المصطفى عليه الصلاة والسلام في المدينة،
وعُرف منها عدد من خيار المسلمين، من الصحابة والتابعين وغيرهم، ومنهم من
قواد جيوش الفتوح الإسلامية التي شاركت فيها تلك القبيلة مشاركة بارزة، وفي
عهد المصطفى عليه الصلاة والسلام أكثرُ القبائل انقادت إلى الإسلام دون أن
يستقِرَّ في نفوسهم، بل انقياد استسلام وخضوع، كما قال الله عز وجل: قالت
الأعراب آمنّا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، ولمَّا يدخل الإيمان في
قلوبكم 1 ولهذا لما توفي صلى الله عليه وسلم، واستُخلِف بعده أبوبكر
الصدِّيق امتنع أكثرها عن أداء الزكاة، ولكن الصديق رضي الله عنه قابل هذا
الأمر بحزم وقوة، وقال: والله لو منعوني عِقالاً كان يؤدونه في عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه وأرسل الجيوشَ لقتال المرتدين ومنها
الجيش الذي أرسله بقيادة خالد بن الوليد إلى بني حنيفة في واديهم المعروف،
فقاتلهم حتى قُتِل داعيتُهم مسيلمة وكثيرٌ من رؤسائهم فاستسلم الحنفيون
استسلام خضوع وانقياد، وفرض عليهم خالد - رحمه الله - الصلح على ما أوضحه
المؤرخون 2 ، وهناك بعض القرى التي لم تعترف بنفوذِ مُجَّاعَةَ مُرارة رئيس
بني حنيفة الذي عقد الصلح مع خالد قد يكون بدا منهم شيء من التردد، فكانوا
عرضة للتأديب,
ويجد الباحث في معجم البلدان وغيره أسماء عدد
من القرى، قال عنها ياقوت - رحمه الله-: إنها لم تنقد للصلح في عهد خالد،
فَسَبى أهلها، ومن تلك القرى مَراة على ما ذَكرَ ياقُوت - رحمه الله-,
والواقع أن الباحث يقف عند قول ياقوت هذا،
فهو - رحمه الله- لم يذكر مصدره، ولا أعرف من بين ما اطَّلعت عليه من كتب
المؤرخين، ومن أشهرهم إمامهم محمد بن جرير الطبري ولا غيره من ذَكرَ هذا
فلم أرَ في تاريخ الطبري ذكراً لمراة إلا في خبر مَسِيرِ بُغَا لحرب بني
نُمير سنة اثنتين وثلاثين ومائتن، وأنه مضى نحو اليمامة، فلقي جماعةً في
الشُّرَيفِ فقتل منهم وأسر قال 3 : ثم سار إلى قرية لبني نُميرٍ من عمل
اليمامة تدعى مراة فنزل بها، ثم تابع رُسُلَهُ يعرض الأمانَ ويدعو إلى
السمع والطاعة، ثم قال بعد ذلك فسار بُغا من مراة في أول صفر من سنة 232
فورد بَطنَ نَخل 4 إلى آخر ماذكر ولم أرَ لها ذكراً غير هذا,
وأخشى أن يكون ياقوت - رحمه الله- تأثَّر
بقول من قال: إنَّ أهل اليمامة ارتدُّوا، أو أن قبائل العرب ارتدت كلها سوى
عبد القيس، وهذه التعبيرات ليست على إطلاقها، بل هناك أناس كثيرون، بقُوا
على إسلامهم ولم يرتدُّوا، ومنهم من بني حنيفة أنفسهم من أصحاب مسيلمة:
صُهبانُ بن شِمِر بن عمرو سيد أهل قُرَّان ثبت على إسلامه في الردة، وكان
عيناً للمسلمين فيهم، وغيظاً لمسيلمة، ولا يجدون إليه سبيلاً لشرفه، وطاعة
قومه لهُ، ولما ظهر من أمر الردة ماظهر، كتب إلى ابي بكر - رضي الله عنه-:
أما بعد فإن أهل اليمامة خرجوا من ذمة الله وذمة رسوله - صلى الله عليه
وسلم - ومن يخرج عنهما يخذل، وإني لست فيهم بذي براءة فاعتذر، ولا قُوَّة
لي بهم فانتصر، ولكن لا أزال أقوم فيهم مقاما يطول لِي فيه اللسان، وتقصر
لي فيه اليد، أقدر أَفُكُّ فيه العاني وأردُّ به المرتاب، والناس قِبَلَنا
على ثلاثة أصناف، كافرٌ مفتُون، وشاكٌ مغمور 5 ، ومؤمن مقهور، ولم ينف
البلاء عنهم إلا بلوغ الكتاب ولكل أجل كتاب,
وقد كان اهل اليمامة شمتوا بوفاة رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وكفرت العرب، ثم نقل لهم اجتماع الناس عليه، وقتل من
قتل، ولكل أجل كتاب:
إني بَريءٌ إلى الصدِّيق مُعتذرٌ
مما مُسيلمةُ الكذَّابُ ينتحلُ
أغوى حنيفةَ شرُّ الناس كلهم
دَخُلا وأكذبُ من يَحفا وينتعلُ
إني إليك بَريءٌ من جريرته
تجري بذلك منِّي الكُتبُ والرُّسلُ
إني وناساً قليلاً من عشيرته
عُميُ العيونِ وفي أسماعنا ثِقَلُ
عمّا يُزَخرِفُه لسنا نُوادعُه
فيما يجيءُ به ما حَنَّتِ الإبِلُ
لا أُقَلعُ الدّهُرَ جَهدي عن مساءَتِهم
بالمُخزيات وإن خَفُّوا وإن جَهِلُوا
- في أبيات
فلما وصل الكتاب إلى أبي بكر - رضي الله عنه
- فرح به المسلمون ورووا شعره، وراجعه يشكر فعله، وأمر حسّاناً فراجعه بشعر
أوله:
أتانا ما يقولُ أبو سُحيمٍ
فقرَّت بالذي قالَ العيونُ
لنعمَ المرءُ صُهبانَ بنُ شِمرٍ
له في قومه حسبٌ ودينُ
ذكره وثِيمةُ، عن ابن إسحاق 6 ,
ومنهم مُرّة بن صائد اليشكريُّ، كان عزيزاً
في اليمامة، وكان ممن ثبت على إسلامه حين رِدّتهم هو وأخوه عُميرُ، فلما
توفي الرسول صلى الله عليه وسلم قال لقومه: إنما النبي محمدٌ صلى الله عليه
وسلم مثل الأنبياء -أي يجري عليه ما جرى عليهم - فاتقوا الله وراجعوا
الإسلام، فشتموه وهمُّوا به، فلحق بجيش خالد حين بلغه إقباله، وقال أبياتاً
منها:
يا ابن الوليدِ ابنِ المغيرةِ إنني
أبرا إليك من الجحودِ الكافرِ
أعني مسيلمةَ الكذُوب فإنه
والله أشأمُ صيحةً من فاشِرِ
وقد بعث به خالد إلى أبي بكر الصديق 7 ,
وياقوت - رحمه الله - في معجم البلدان كثيراً
ما يَهم ويأتي بأمور تُستغرب، ومن ذلك قوله عن الوشم: وأخبرنا بدويٌّ من
اهل تلك البلاد أنّ الوشم خمسُ قُرى عليها سور واحد من لبنٍ، وفيها نخل
وزرع لبني عائذ لآل مَزيَد وقد يُتَفرّعُ منهم، والقرية الجامعة فيها
ثرمداء، وبعدها أُشيقر، وأبو الرِّيش والمُحمديةُ، وهي بين العارض
والدَّهناء,
وفي هذا الكلام أخطاء يستغرب حدوثها من مثل
ياقوت، الذي كان من مصادره كتاب بلاد العرب الذي نقل أكثرَ ما فيه ونسبه
إلى الأصمعيِّ، وقد يكون أصلُ الكتاب للأصمعي كما أوضحت هذا في المقدمة حين
نشرته 8 ,
وقد جاء في هذا الكتاب ذكرٌ للوشم في مواضع
كثيرة، وسمى قراه وحدَّد موقعَهُ، تحديداً واضحاً كما هو عليه الحال الآن,
وليس كما ذكر ياقوت من أنهُ بين العارض والدهناء بل يقع غربَ العارض،
والعارض غرب الدهناء، وهل من المعقول ان يحيط بقراه التي حصرها ياقوت بخمس
سُور من لبنٍ، وهو يقع في مساحة واسعة من الصعب تسويرها؟!
يضاف إلى هذا: أن بني تميم هم سكان القرية من
قديم، وبنو امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم فرع منهم، وهم أهل ثرمداء أيضا،
ووهم بعض النسابين المتأخرين فنسب أهل ثرمداء المعروفين الآن العناقر إلى
بني سعد أخي امرىء القيس لأنه ورد في بعض معاجم الأمكنة اسم ثرمداء وأنها
من مياه بني سعد، قال الازهري في كتاب التهذيب وثرمداء ماء لبني سعد في
وادي السِّتارين، هذا ليس في الوسم، بل هو في منطقة في الأحساء يُعرف باسم
وادي المياه فيه قرى كثيرة عامرة الآن، كانت من قرى بني سعد بن زيد مناة بن
تميم إخوة بني امرىء القيس، وتطابق الاسمين هو الذي أوقع خطأ النسَّابين،
والامر سهلٌ، فامرؤ القيس وسعد اخوان وهما من بني تميم، وبنو تميم الذين
تقدمت الإشارة في بيان فضلهم هم ممن شَرُفَ بالاستجابة لدعوة المصطفى صلى
الله عليه وسلم إلى الإسلام، ومنهم كثيرون ممن فَقُهوا في الدين، وفي
الحديث لما سئل المصطفى صلى الله عليه وسلم عن أكرم الناس قال: الناس
مَعادنُ فخيارُهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا، فسكان مراة
ممن يُرجى له أن يكون ممن حظِيَ بثناء المصطفى عليه الصلاة والسلام,
وللحديث بقية
الحواشي :
1 سورة الحجرات - الآية 14,
2 ومنهم شيخ المؤرخين ابن جرير في تاريخه في
حوادث سنة إحدى عشرة من الهجرة,
3 الشريف: منطقة معروفة في عالية نجد,
4 وهو مايعرف الآن باسم الباطن الذي بلغه
عمران الرياض,
5 في تخريج الدلالات شاك مغتوم، ونقل عن
الصحاح معنى الغتمة وأنها العجمة، وما أرى الكلمة مغتوم سوى تحريف مغرور
وفي الاصابة أن الناس قبلنا ثلاثة اصناف كافر مفتون، ومؤمن مغبون وشاك
مغموم,
6 ابن جرير - ج6 ص146,
7 أنساب البلبيسي لايزال مخطوطاً,
8 نشرت كتاب بلاد العرب محققا سنة 1388ه
1968م,
|